Friday, December 27, 2013

بين المعاناة و المراعاة


يتعامل الكثير من الأطفال بل و حتى المراهقين مع الأبوين و كأنهما الهدية التى هبطت من السماء كى تتحمل أعباءهم .. يتعاملون معهما و كأنهما ملكان خلقا لخدمة الفرد ليس إلا .. بل .. وليس من حق هذين الأبوين أن يقدما على أى خطوة من أجل حياتهما .. و إذا فعلا ذلك .. كان أسرع رد .." إنتو خلفتونا و نسيتونا ! "

عندما كنت صغيرا كنت أتعجب أشد التعجب من قدرة أبوىّ على التحمل .. و أخص بالذكر التحمّل النفسى .. فعندما ولدت أختى .. تساءلت كيف لأم أن تتحمل صراخ طفل كل هذه المدة المتواصلة .. بل .. و لا تنام إلا سويعات قليلة .. و هى البريئة .. التى منذ أقل من عام كانت تنام مالا يقل عن ثمان ساعات متواصلة .. و لا تلبث أن تستيقظ بين الحين و الأخرى .. فتغسل .. و تطبخ .. و الأغرب .. أنها تضحك ! كيف لشخص يعانى كل هذه المعاناة أن يضحك ؟ و هل كانت تعانى هكذا معى عندما ولدت أنا الآخر ؟

و لما مرت السنون سنة بعد سنة .. بدأت أتلمّس شخصية أبى .. رجل يعمل نهارا بجد .. و يكدح ليلا بهد .. ما كل هذه المعاناة التى يتقلب فيها هذان الفردين ! و لماذا ؟ أما يكفى أن يؤجر لنا أبى خادمة كالتى تظهر فى الأفلام تحمل العبء ليل نهار عن كاهل أمى .. ؟ أما هو .. فيكفيه أن يعمل صباحا .. و بالليل .. نخرج و نسمر .. نفرح و نمرح ..

ثم توالت الأحداث و الأنباء .. كلها تسير عكس خططى و أحلامى الصغيرة .. لقد بدأت تختمر شخصيتى .. لقد بدأت أستوعب الأحداث .. إن كل هذه المعاناة من أجلنا .. نحن الابناء .. من أجل دراستى .. من أجل ملابسى و مأكلى و مشربى ..و لكن .. ما الجديد ؟ هل لهذا يتغير حالى ..لا .. أما خلق الأبوان لخدمتى ..أنا شاب عظيم قدير أتسكع فى الجامعة صباحا .. و أهدر الساعات على الكمبيوتر ليلا .. أليست هذه معاناة ...!

و هاهى الأيام تدور .. عبر منحنى الحياة القاسى .. فأتزوج و أنجب .. و تمر ليلة بعد ليلة تصحو فيها ابنتى بين الساعة و الأخرى .. فأقوم فزعا ملهوفا على صرخاتها .. لأتعلم .. و أذوق ما ذاقته أمى قديما .. من أجلى و أخوتى .. فإذا خرج على الصباح .. قمت مسرعا إلى عملى .. فإذا لم أكدح و أ ُهد ..من سيطعم هذه البريئة بأمر الله ..

و هنا فقط .. تذكرت معاناة أبى و أمى من أجلى .. تذكرت الليالى الطويلة التى كانا يقضياها يفكران فى مستقبلى و أنا أتهكم على تفكيرهم .. و علمت و تعلمت .. أن وقت المراعاة لأبى و أمى قد جاء .. و أنه حان رد الجميل ..

" رب ارحمهما كما ربيانى صغيرا " ...

بين الاستقبال و الوداع


يتفنن الكثير من الكتاب و الأدباء فى تعريف طريق الحياة .. فمنهم من يعرفه و كأنه طريق معوّج بطبيعته و على كل فرد أن يحاول أن يعدّله و يمهّده .. و منهم من يصبغ التعريف بصبغة دينية فيسميه الطريق إلى الله .. و يصفه بطريق العبادة و لا شئ إلا العبادة ..بل ..و الحياد عنه هو حياد عن الله تعالى .. أما أكثر المفكرين حنكة فيصف الطريق بعد الجهد بالطريق ..فما هو إلا بداية بالولادة..و مسار إلى هدف تحدده ..أو ربما لا تحدده.. ثم تنتهى بالوفاة ..! و أظن أن نقد كل مدرسة من هذه المدارس ينبع من أن هؤلاء لم يحاولوا تعريف طريق الحياة من خبرتهم .. بل يعرفونه من مشاهدة تجارب الآخرين .. و لذلك .. أوجه لهم جميعا نفس السؤال ..كيف تصف طريق حياتك .. أنت ؟ 

عندما بدأت أولي الخطوات فى طريق الحياة .. و استيعاب ملامحها .. لم يدهشنى أكثر من كمية الاستقبال التى كنت أوجهها .. نعم .. استقبال .. بدأت باستقبال أبى ..لا تتعجبوا ..فالطبيعى أن الأب يسقبل مولودا جديدا .. لكنى أظننى أنا من استقبلته .. يوما بعد يوم .. حنونا عطوفا ..قويا صارما .. فمثّل لى كل ما يلجأ إليه الضعيف فى القوى .. و القليل فى الكثير .. و الفقير فى الغنى .. فكنت أستقبل منه المال لما أحتاج .. متصورا أن ماله لا ينفذ .. و مهما كان قهر المصيبة المادّية التى قد تقع علىّ .. فهو موجود ليحلها .. و كنت إذا شعرت بالهزال المرضى .. رأيت فيه القوة .. فتجدد فى أمل الاستشفاء بأمر الله .. و كأنه لا يمرض أو يعتلّ ..بل و الأدهى .. أنى كنت أستقبل منه نبع نجاحى و آمالى .. فإذا أخطأت فى إجابات أسئلة الامتحانات .. كنت على يقين أن دعواته سوف تغفل أعين المصححين عنّى .. و الكارثة ..أنى كنت أنجح فعلا ً بالدرجات النهائية ! 

ثم استقبلت أخواتى الواحدة تلو الأخري .. فى كل واحدة ترى شخصية مختلفة .. ولكنهن اجتمعن جميعا على حبى .. فكنت أستقبل منهن كلما الإطراء و الإعجاب مهما بلغت تفاهة الأعمال التي أقوم بها .. فكنّ مصدر التشجيع و الثناء الذى لا يريد الرجل أكثر منه ليشعر بنشوة النصر .. و سعادة الأبطال ..و هو يوقن أشد اليقين أنه لم يفعل شيئا يستحق كل هذا .. 

و جاء دور عمّى ..الذى كنت أستقبل منه القدوة العلمية .. كان ناجحا بكل المقاييس .. لم يولد ليكون بين الأوائل .. بل ولد ليكون الأول .. استقبلت منه حكمة أسير عليها حتى اليوم ..ليس النجاح بالاختلاف.. و لكن النجاح هو التميّز فيما برع فيه الآخرون .. 

و استقبلت عملا جديدا بعد تخرجى من الجامعة .. و استقبلت زوجة أصلح ما تكون عليه الزوجة .. و كل يوم أستقبل .. و أتعلم .. و أستقى ... 

و بدأ هذا العام .. و لم يمض شهران حتى توفى عمى ... 

توفى رجل من أقرب الناس إلى قلبى .. 

توفى عالم أثرى جليل اسمه الأستاذ الدكتور ربيع حامد خليفة .. 

ففوجئت أننى لم أعد أستقبل .. بل صرت أودع .. 

كيف تحول منحنى الحياة الصاعد .. فى الاستقبال .. إلى الوداع ..و هنا فقط .. توقفت .. و تلفتّ حولى فوجدت أننى منذ عامين و أنا أودع .. ودعت أساتذتى فى المدرسة رحمهم الله .. ودعت أصدقاء عمرى الذين سافروا الواحد تلو الآخر .. ودعت أبى و أمى و أخوتى لأعيش فى بيت جديد ..فهل حانت لحظات الوداع ..؟ 

و مضت ثلاثة أشهر أخرى .. فرزقنى الله تعالى بالذرية .. رحمة ..أتمناها رحمة من الله على والديها ..فازدادت لحظات تفكيرى و غيابى عن الواقع .. يبدو أننى مازلت أستقبل .. ولكن القليل .. و أودع الكثير .. و ليس القليل .. و هنا فقط .. عرفت أن منحنى الحياة بدأ فى الهبوط .. لقد بدأت علامات الوداع تلوح فى الأفق .. 

و لما كنت أداعب ابنتى بين الحين و الآخر .. و كلما ابتسمت و هى تنظر إلى عينىّ .. تأكدت أنها تفكر فى كما كنت أفكر قديما ..فى أبى .. القوى الغنى الحنون .. 

و أنها .. قد بدأت فى الاستقبال ..